محمد بن عمر التونسي
191
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
لقائله ، حقيرا كان أو جليلا ، لا يخافون لومة لائم . وإذا أراد السلطان إشاعة أمر ، أو إعلان حكم ، أمر الموحيه أن ينادى به ، فينادى به الموحيه بعد المغرب وقبل العشاء ، نداء يسمعه الخاصّ والعامّ . ومما اتفّق أن السلطان عبد الرحمن كان يحبّ العلماء ، ويكثر الجلوس معهم في ليله ونهاره ، وقلّما يجلس مجلسا إلا ومعه عالم أو اثنان . فاغتاظ الوزراء منه وقالوا : كيف يتركنا ويجلس مع هؤلاء ؟ ! لكن إن مات هذا السلطان لا نولّى علينا بعده رجلا يقرأ أبدا . فسمع ذلك أحد الموحيه ، فأمهلهم حتى جلس السلطان في ديوانه وحضر أولئك الوزراء ، فجاء الموحيه وقال بلسان الفور كلاما معناه : « 1 » نحن ما بقينا نولّى علينا « 1 » من يعرف القراءة والكتابة ! فالتفت إليه السلطان وقال : لم ذلك ؟ قال : لأنك تترك الوزراء وتجلس مع العلماء . فاغتاظ السلطان لذلك ، ونظر إليه نظرة الغضب ، فخاف الموحيه أن يسطو عليه ، فقال : ما ذنبي ، أنا سمعت هؤلاء - وأشار إلى الوزراء - يقولون ذلك فقلته . فالتفت السلطان إليهم ( 172 ) ووبّخهم على ذلك ، وأراد القبض عليهم ، فما خلصوا منه إلّا بجهد ومشقّة . قلت : * والجاهلون لأهل العلم أعداء * ومن ذلك ما حكاه لي بعض الثّقات بدارفور ، أنّ « 2 » السلطان تيراب ، السالف الذكر ، صنع وليمة لأمر نسيته ، وحين حضر الطعام تتبّعه لينظر أىّ الطعام أحسن ،
--> ( 1 - 1 ) وردت العبارة بدون ضبط في الأصل ، وهي عبارة عامية في اللهجة السودانية ، وضبطها على النحو الذي أوردناه في المتن أولى ، على أن تنطق القاف في « بقينا » كما تنطق الجيم الشديدة غير المعطشة . ( 2 ) كذا في الأصل ، وقد تكرر هذا التعبير في مواضع كثيرة .